“سما” قصة حياة

جاء مولد آخر العنقود بلسمًا لبيت كان على موعد مع بدء عهد الاعتقالات بحق والدي، ومرحلة ممتدة من الابتلاءات متعددة الوجوه لكل فرد في الأسرة، ليس ذاك لمقدمها أبدًا فحضورها في فيلم حياتنا كان سبب تخفيف وتسرية.

ولدت “سما“؛ طفلة داون سندروم، بمشاكل متعددة، ارتخاء في العضلات، وثقبين في القلب، ومن ثم مشكلة في السمع اكتُشفت على عمر سبعة شهور وهو عمر مبكر نسبيًا، ومشكلة في البصر أيضًا، وبدأت رحلة أمي وأشقائي في التنقل مع الصغيرة من مركز تطوير طفل، إلى متابعة قلب وسمع، ثم حضانة خاصة، رحلة طبية لم تنتهِ، وفي الطريق رفع الله آلام ووضع أخرى، فتحررت سما من سماعة الأذنين، ثم بقي ثقب من اثنين، وتمكنت من السير والتوازن، والتحقت بروضة خاصة ثم مدرسة، ولكنها أصيبت بحساسية القمح أو “السيلياك”.

تعلمت في عامها الثاني معنى الصدقة، ووضعت أول محاولة لها في المسجد الأقصى عند باب الناظر في صندوق لجنة الزكاة، ثم بات الصندوق جزءًا من حياتها، فهي تشارك في صندوق صغير لتساعد به محتاجًا أو يتيمًا، وتفهم معنى الادخار من مصروفها في صندوق آخر تخصصه لمشروع سنوي أو هدف ترغب في الحصول عليه.

في السنة الثالثة تمكنت هذه الصغيرة من حفظ الأرقام إلى عشرة بلغات ثلاثة؛ العربية والإنجليزية والعبرية، وحفظت عددًا من المفردات باللغة الإنجليزية بطريقة الربط بين البصري واللفظي، وفي السن الرابعة بدأت تتكلم بشكل تفهمه العائلة، وبدأت تحفظ من كتاب الله وتستظهره بلغتها وبمساعدة منا.

سما على صغر سنها كانت تربطها برمضان علاقة خاصة، فهي تحب السهر انتظارًا لوجبة السحور، تستمتع بها، تشاغب قليلًا قبل الفجر، تصطنع قراءة القرآن والتسبيح، ولكنها تفهم معنى الدعاء جيدًا، في أحد مواسم رمضان رتبتُ لمسابقة حفظ في المنزل، فحفِظَتْ 5 آيات من سورة التين، كانت مميزة ومُجدة، واليوم يُنطقها الله كل فترة لتسأل عن رمضان، تتفقده وتخطط له، تحثنا على الاشتياق والاستعداد، وقد صامت ثلثي الشهر أو يزيد.

ولأننا نعاملها كطفلة عادية مع مزيد اهتمام كنا نوفر لها دفتر التقييم اليومي للعبادات في رمضان، ففاجأتني تسأل أين مكتوب “القرآن” مثلًا لتضع أمامه أنها أدته كواجب، بطريقة تعلمني المتابعة، وأن الشخص يثمر فيه الاهتمام.

لا تنتهي عجائب الله التي أودعها في صغيرة لا يقدِّرها كنعمة أغلب البشر، فهي تمتلك حِسًا تخطيطيًا مميزًا، وقدرة على متابعة المهام والتذكير بها، دائمة التفكير بالمشاريع ومهنة المستقبل، لها لسان لطيف حلو يخترق حصون القلب بانسيابية بالغة، ودمعة حاضرة مهما حاولَت مدافعتها، نقية الفؤاد، سريعة الإياب، توزع على الكون طيبة وبساطة وتسامحًا، وتفاؤلًا واجتهادًا.

تدرك بفطرتها اختلاف مدرستها عن بقية المدارس، وقد قالت يومًا: “أنا ما بنفع أدرس في مدارس ثانية“، سألتها وألححت بمعرفة الإجابة ولم تقبل التوضيح، تريد الحصول على شهادة مدرسية في نهاية العام، وتطلب تضمين يومها العلوم والرياضيات، ولهذا تعلمها أمي العمليات الحسابية وخاصة الجمع من منزلة ومنزلتين، وأحيانًا هي تكتب لنفسها مسائل طرح وجمع تتسلى بها، وتنسخ النصوص وتحاول التهجئة، وتحب التلوين ومشاركتي لها فيه.

تحب التعلم كثيرًا، تسأل عن كل شيء، تفهم ما يقال لها، وتحفظه وتُدخله حيز التنفيذ بصرامة، وقد علمني هذا أن أشرح لها وألا أهمل ذلك، وأن التعامل مع الأطفال بشكل عام يلزم معه ألا نقول “صغير” ونؤجل الإجابة، فالصغير هذا قادر على تطوير ما يقال له بقدرته الخاصة، ويرى فيك مُعلمًا، ينتظر منك ما يروي شغفه للعلم والمعرفة.

 صديقتي سما .. هكذا هي ترى نفسها، فتطلب مني مشورتها، وتطلب أيضًا التفكير فيما تقترحه وتطرحه علي، وتسألني عن قراراتي، وتحصل مني على وعود متكررة للخروج معًا إلى مطعم تختار فيه وجبتها التي ترغب بها، وإذا دعوتها لتشارك في اعتصام أو مسيرة بادرتني بالسؤال إن كان مختلطًا فقد علّمتها المدرسة الفصل بين الجنسين وحدود التعامل ومسائل التحرش، وحين صادر الاحتلال صندوق مدخراتها في آخر اقتحام لمنزلنا؛ جلست قبل الفجر حزينة وقالت: “لازم نعتصم ونجيب كل العائلة وأعمامي“، بلغة فصحى عفوية، ولا زالت لم تنسَ الحدث.

لم أخجل يومًا من مرافقة “سما” إلى حفل أو مطعم أو زيارة أو اعتصام -وكذا عائلتنا الصغيرة-، وأنا أدرك نظرات الناس وتساؤلاتهم، وللحقيقة فقد كانت الصغيرة كاشفة لقلوب الآخرين ونظراتهم فلم تكن تبادر من يقابلها بالارتياح إلا إن قرأت ذلك في عينيه ولغة جسده، وبهذا كنت أفهم متى تُحجم ولماذا، ومَن أحبت ولماذا، إلى جانب ذلك فهي ذكية بحفظ أسماء مَن تلقاهم، وترسل معي دومًا سلامات خاصة لهم، وتدعوهم للبيت وتتفقدهم.

سما .. داون سندروم بحِس فطري عالٍ، ومهارة عالية في مختلف الآداب، وتميز في الحرص على النظافة والنظام واحترامهما، تعرف ما يناسب وضعها الصحي وما يضره فتقول لك: “هذا ممنوع علي لأنه معي حساسية قمح” دون تردد أو تملق للحصول على ما يضرها.

ودودة وصديقة للحياة، علمتني معنى أخذ الأمور ببساطة فكلما أشكل أمر صغير أو كبير قالت: “بسيطة“، يُنطقها الله بأقداره، تؤنس القلب بحنيتها المفرطة، وتسلي المهموم ببسمتها وحركتها وثرثرتها التي لا تتوقف ولا تتعب ولا تهدأ.

سما .. الإنسان الحقيقي الذي يجعل الله في وجوده ألف حكمة، ويدفعني لأتساءل عن أثري مقابل طفلة إدراكها ووعيها عفوييْن صادقيْن.

بدون سما وبسمة سما كيف كانت ستكون حياتي الملأى بالأحداث والتحديات والابتلاءات والأحلام المؤجلة؟! وفي هذا كله أيضًا كانت شريكتي التي لا ينقص من حضورها ما خُلقت عليه.

سما .. حياة تضج بالحيوية والتأثير والأمل.

03 رجب 1439هـ

21 آذار 2018مـ

مقالات ذات صلة