الثانوية العامة: جسر الطموح

لن أبالغ لو قلت أن أفضل سنوات حياتي كانت الثانوية العامة، التنظيم والاجتهاد والدقة في تحديد الأهداف، والمتابعة الذاتية لقطع الأشواط وصولًا للغاية، أمور لا تتكرر دون حزم، وهمة عالية، وإرادة قوية، وقدرة على تحفيز الدافعية دون استعانة بشخص من أهل أو أصحاب، كل الذي كان مطلوبًا منهم أن يوفروا الجو دون ضغط، وتلقائيًا ما دمت كطالب تقوم بما عليك بنفسك ولا تتركها عرضة لحالات من الاكتئاب، والتردد، والإحباط، فإن المحيط سيكتفي بمراقبتك، ويربت على كتفيك، ويدعو لك.

حدود المنافسة أثناء الانغماس في الدراسة تنحصر بالزملاء في المدرسة، ولأصحاب الطموح الأعلى فإنها تدرك مبكرًا أن المنافسة تتجاوز أسوار المدرسة إلى كل الوطن، هذا لمن يرغبون بالتنافس على المنح أو يرضي كمالهم الشعور بالتفوق والقدرة على منافسة الأفضل، قد نراها صعبة ومرهقة ولكن هذه المنافسة صغيرة كانت أو كبيرة؛ كفيلة بإخراج أفضل ما فينا، تفاجئنا بقدراتنا، وتُهدينا في النهايات ما نستحق تقريبًا أو كل ما نستحق.

يرى بعضنا أن الامتحانات مشكلة وأزمة أو عقبة للوصول إلى الجامعة، لكني أتساءل: المواد التي ندرسها ونتدارسها مرارًا وتكرارًا، إن كنا نفهمها، ما مشكلة اختبارها؟ ما مشكلة اجتيازها بمستوى جيد في الحد الأدنى؟ نحن نعاني مع ثقافة المجتمع التي تهول الأمور، والتي خلقت أزمة واصطدام مع نظام الثانوية العامة فجعلت منه عقدة، وأتحدث عن أمر واقع.

لست هنا في مقام تحليل صحة النظام ونجاحه من فشله، بل في قدرة الإنسان على اجتياز التحديات إن أحسن الاستعداد، وفي نظرة الإنسان إلى ما وجد نفسه فيه، وقدرته العالية على التكيف لو أراد، وقدرته على خلق واقع جديد، فليس بالضرورة أن تكون متفوقًا طوال سني حياتك حتى تتفوق في الثانوية، الأمر هنا مختلف، ربما يكون تحصيلك جيدًا ما قبل التوجيهي ثم يرتفع إلى جيد جدًا، وصاحبة هذه السطور انتقلت من جيد جدًا إلى ممتاز بين امتحانات المدرسة وامتحانات الوزارة.

الامتحانات ليست عقبة تمنعك عن الوصول إلى هدفك، طموحك، حياة الجامعة ومهنة المستقبل، بل هي جسر وصول، ووسام استحقاق لمن عمل وركّز وأراد، وإن كانت الامتحانات تمهد الطريق لبعضنا لدخول الجامعات فيجدر بنا أن ندرك أن هناك مساحات واسعة ليس ضمنها الجامعة لنختارها في حياتنا، كتأخير الالتحاق بالجامعة، وتجربة السفر، أو الاعتكاف على مشروع خاص لمدة عام، وأمور كثيرة جدًا، ما أريد قوله: أن المسارات تتعدد، والامتحانات مجرد نابض ثم نحقق قفزات كبيرة، وليست آخر الطريق، وتبقى محطة في العمر وليست كل العمر.

أخيرًا .. أحب الانتماء لمدرسة التفاؤل والاستمتاع بما أقوم به حتى لو كان امتحانًا، لأن المتعة والشغف الذي يملؤها كفيل بأن يديم مشاعر السعادة بما أقوم به سواء كان دراسة أو حفظ أو تقديم امتحان، وهذا ما يجعلني أتذكر تفاصيل الثانوية العامة بدقة ويديم أشواقي إليها، إنك لا تندم على ما تعطيه ما يستحق من وقتك، ولكنك تندم إن كان يمكنك أن تقدم ما هو أفضل لكنك تكاسلت ولم تفعل، هذه اللسعة لا تُنسى أبدًا، لذلك طعم المتعة مهما كان مرهقًا لا يُنسى أبدًا مهما تطاول العمر.

غيِّر نظرتك للامتحان، تصالح معه، استمتع بما تفعل، لن تندم، ودعواتي بالتوفيق والنجاح لكل الطلبة، ولأبناء صديقاتي، والأهل جميعًا.

16 شعبان 1439هـ

02 أيار 2018مـ

 نشر على إشراقات

مقالات ذات صلة