مع الأسيرة أم أشرف نعالوة

عدد المشاهدات: 66

تحت لوزة كانت تحب قضاء وقتها مع صديقات الطفولة، يلعبن مصطحبات معهن القليل من الخبز والفلفل المخلل، تلمع عيناها عندما تستذكر تلك اللحظات، وينبعث جو من الحنين يعيدك إلى حيث تحب.

تلفت الانتباه بنباهتها في كثير من الأوقات، وإجاباتها ومشاركتها النقاش في بعض العلوم أو قضايا المجتمع، وعندما تستمع إلى أبنائها عبر الإذاعات المحلية تبدو كمن حاز الدنيا بما فيها، تسكن روحها، ولا يسكن الجوى!

هي الأسيرة وفاء مهداوي والدة الشهيد أشرف نعالوة، زوجة أسير ووالدة أسير، وصاحبة البيت الذي تهدم وهي ترمق انهيار الحلم، البيت الذي تشرد ساكنوه، ولكنهم لاذوا إلى فؤادها المكلوم، ولدت عام 1965، تزوجت في السابعة عشرة، أبناؤها ستة، أمجد وأيمن وأشرف، وفيروز وهنادي وسندس.

بعد استقرار أم أمجد في السجن رتبت معها للقاء قضينا فيه ساعتين ونصف من الحديث المتواصل، حديث الذكريات، الأبناء والبنات، الزوج والبيت، العادات والتقاليد، الهموم البسيطة التي اجتاحها طوفان انتقام الاحتلال، بدت امرأة بسيطة، لا تمل الحديث عمن تحب، عن صفاتهم، وأحلامهم، عن زوجات أبنائها، وإنجازاتهن، ورقي تعاملهن، فإذ بها تفتقدهن كأنهن روح أخرى نبتت فيها.

رغم عظم ابتلاء أم أمجد إلا أنها كانت تحاول الخروج من النفق دومًا، فبذلت جهدًا في متابعة دروس الثانوية العامة مع الأسيرات قبل أن تعزف عن ذلك مع الانشغال بالمحاكم، والحقيقة أنها كانت تملك القدرة على المنافسة والحصول على الشهادة.

ثم وجدت “خالتو” أم أمجد كما أحب مناداتها دومًا في الصف الأول في كل ما يُعقد في السجن، من محاضرات، ودورات، وأيام مفتوحة، ومسابقات، كانت لديها همة مميزة، مثابرة محببة تدفعك لتعطي أكثر، حب التعلم الذي لا يعرف عمرًا، واستثمار الوقت رأس المال الأكثر وفرة في السجن.

لعل خبر استشهاد ابنها ثم هدم البيت وحرمان بناتها من الزيارة في كل مرة كلها مجتمعة كانت صعبة نعم، ولكننا عشنا معها موقفًا لا يمكن نسيانه، حين فجأة أبلغوا ممثلة الأسيرات يوم الإثنين 29/04 بأنه سيتم الإفراج عن الأسيرة وفاء مهداوي يوم الأربعاء 01/05 وهو يوم محكمة لها، وعليها أن توقع على استلام الأمانات، وهذا الإجراء لا يحصل أبدًا إلا حين يتقرر فعلًا الإفراج عن الأسير، ولأن موظفة الأمانات ستكون مجازة فعليها التوقيع مسبقًا! الكل فرح لها وهنأها، وهي سجدت وبكت ولم تكن مصدقة، وجاء الأربعاء لا يحمل لها بشرى، وبقيت أم أمجد وبقينا معها نتجرع أسى هذه اللحظات الثقيلة المؤلمة! ولعل هذا الموقف لم يكن عابرًا بل كان مقصودًا ضمن جملة ما تتعرض له أم أمجد تحديدًا، ربط الله على قلبها.

رغم ذلك استقبلت رمضان، وشمرت عن ساعد الجد في المسابقات، وكانت الأكثر اجتهادًا في التحضير لسؤال جزء اليوم من القرآن الكريم.

أدام الله على خالتي أم أمجد الصحة والهمة، وردها لأحبابها سالمة غانمة، حرة أبية، ليبقى قلبها أبيضًا نقيًا بقدر ما تحب اللون الأبيض.

والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون

 

التعاليق: 0

لن يتم نشر بريدك الالكتروني, الحقول المشار اليها بـ * مطلوبة.