خلف الخطوط وثلة من الأولين!

عدد المشاهدات: 84

خلف الخطوط وثلة من الأولين!

-هكذا خطفنا الجندي نحشون فاكسمان، عمار الزبن-

(ماذا يعني أن تكتب أدبًا أو قصصًا أو سمِّه ما شئت ولا زال الأسر مستمرًا؟) هكذا افتتح الراوي سطوره الأولى، يعني ذلك لنا الكثير الكثير، بعيدًا عما رماه الأسير الحر، مَن يقرأ الواقع والأحداث، تطور المقاومة واستمرارها، بطولات الرجال ما خفي منها وما ظهر، وما يقدره الله من كتب توثق التجارب وبرامج تروي التاريخ؛ ليدرك أن هذه المرحلة لها ما بعدها، وأن هذه المرحلة ليست عادية، مرحلة تصنع أبطال فجرنا، تُلهمهم من التاريخ العِبَر، وتمدهم بالعزيمة، وتثير أشواقهم لله ولجنة ورجال سبقوا وصدقوا، جاهدوا وصبروا وصابروا، قاتلا وقتلوا فقُتلوا.

 

حين تبحر في رواية تعبر فيك الزمن، تلامس شغاف قلبك، تجعلك حاضرًا في كل حوار، وكأنك أحد أطرافه، تُضحكك وتبكيك، تبهجك وتؤلمك، تثير أشواقك للقدس ولأنفاس الجهاد، تبلغ بك ذروة العزة وذورة الفضول وذروة الألم؛ حينها تدرك الفارق بين الرواية الصادقة الواقعية والأخريات اللاتي يسرقن وقتك ويستنزفن عواطفك، ويُفرغن بعض شحنات الضغط دون قيمة وبأثر لحظي ينتهي مع طي الصفحة الأخيرة.

 

احتضنت الرواية طويلًا، قرأت ثلاثة أرباعها في ساعات ثم أجلت الربع الأخير منها؛ وفي كل يوم أنظر إليها أريد إتمامها؛ ثم أقول لتبقى في قلبك فترة أطول فأنتِ تعرفين النهاية فلا تتعجلي، نعرف العنوان وموجز الحكاية ولكننا لم نعش التفاصيل ولم ندركها، ولم نعرف رجالها، كانوا يعرجون إلى السماء في الوقت الذي كنا نتراكض فيه في الطرقات!

 

يعيش المجاهد في برزخ بين الأحياء؛ معزول عن نقاشاتنا وتجاذباتنا حول حقيقة العمل فهذا لا يعنيه؛ إنه يعجزنا بملاحقة التفاصيل والتكهنات، مشغول بغايته ومنيته، تغالبه أشواق مختلطة، وهو حيثما ولى بوجهه له شوق وعمل وغاية، ويدرك في أعماقه أن مسألة الوصول إليه؛ مسألة وقت لا أكثر، يجتهد ويجاهد، وكأنما قدره أن يكون له نصيب في (الصبر والجهاد والرباط) في جذور الكلمات ومشتقاتها ومصادرها وأفعالها، والله يظلل مسيرتهم، يرعاهم، تغشاهم رحماته، وسكينته؛ صدى ثقة بالله ويقين راسخ في قلوبهم مستقره الفردوس.

 

إن الرجال الذين تعرِّف بهم الرواية الواقعية؛ شهداء وأسرى وأحرار، واقعنا الذي نفخر به، ليسوا شخصيات تخيلية، إنهم مَن تمضي معهم زمانًا، يغادرون حياتك ولكنهم يستقرون في أعماقك، يغادرونك ولا تغادرهم! حسن النتشة، عبد الكريم بدر، صلاح جاد الله، جهاد يغمور، زكريا وزياد نجيب، ومحمد الضيف، ولفيف من الأولين السابقين.

 

انتهت الرواية كسطور منظورة؛ لكنها لم تنتهِ كحكاية تحرر واستراتيجية لم يحد عنها القسام، انتهت لكنها انتظمت في مكانها بين أخواتها من روايات القساميين التي تعرفك بتاريخ القسام وبحقائق الأحداث وتسلسلها، حتى لكأن أقلامهم تمكنك من ترتيب ألف باء تاريخ القسام؛ وكلما قرأت رواية “توثيقية” تمكَّن عقلك من وضعها في مكانها بين أخواتها؛ فيمكن أن تبدأ بـ: حكاية الدم من شرايين القسام، ثم حكاية صابر، ثم خلف الخطوط، وبعد ذلك تستمع لشاهد على العصر مع عبد الحكيم الحنني، وتعود فتقرأ درب الأشواك.

 

وهكذا كلما أبصَرت حروف النور؛ أعد ترتيب الكتب، واصنع مكتبة الثورة لجيل تُعده، ولروح للمعرفة عطشى، وثِّق التاريخ واترك أثره يسري في الأجيال، يستخلص العِبر، يتعرف على هويته، ويعيد تشكيل ذاته، ويجدد عهد التحرير، ويمضي لا يخشى إلا الله، يعتصم به من سقوط أو انتكاس وتنكب.

 

إن كان واجب كل مرحلة النجاح في متطلباتها؛ في مدرسة ومسجد وجامعة وأسرة؛ فإن الواجب الأكبر في متطلبات الرباط على هذه الأرض، في متطلبات العمل على تحريرها هو التركيز على الهدف سواء في نوع المطالعة أو التفكير والاهتمام أو طبيعة العمل، وما دون ذلك ترف وإسراف!

 

إسراء خضر لافي

18/شعبان/1436هـ

05/حزيران/2015

 

 

التعاليق: 0

لن يتم نشر بريدك الالكتروني, الحقول المشار اليها بـ * مطلوبة.