الأرملة بين الفقد والبدعة

شديد بؤس هذا العالم الذي يبيح لنفسه التدخل في شؤون الآخرين في أخص لحظات حياتهم، في أشد اللحظات قتامة وإيلامًا، في لحظات الموت، والمرأة تودع رفيق العمر، شريك الحياة في السراء والضراء، الأمان، والاستقرار، في لحظات يصمت فيها الإنسان ويفسح المجال للقلب ليحزن، وللعين لتذرف الدمعات، وللأسى ليملك عليه كيانه، وكأن الكون معه في لحظة خشوع، يقدر حجم الفجيعة، والوحدة، والفراغ.

فيما تنشغل هذه المسكينة في لملمة ثوب الأسى، تتدثر بالذكريات، وتضم إلى صدرها أبناءها؛ بل أطفالها وإن كبروا، لا تكفكف الدمع، ولا تكف عن الرثاء وتُتبع “كان” مواقف كثيرة، الحسن والطريف منها، تتندر، وتحرص على إذكاء هذا الحضور بالذكر لعله يعود أو لعل خبر الغياب الأخير خطأ أو لعل هذا الذكر يبقيه حيًا فلا تنطفئ شمعة الحياة، ولا تتسرب إلى البيت برودة الرحيل.

فيما هي كذلك .. لا يجد بعض الناس إلا أن يملوا عليها ما تفعل وما لا تفعل، مما يشق على النفس احتماله، يزينونه بالوفاء، والعلم، والتأويل الخاطئ، فـ “لا تلبسي غير الأسود”، و”العدة بعد ثالث يوم على الوفاة”، “لا تلبسي حذاء طوال العدة”، “لا تستحمي إلا مرة في الشهر”، “لا تخرجي من البيت نهائيًا مهما كانت الحاجة”، “لا تكلمي أي رجل إلا من وراء حجاب”، “أغلقي شرفة المنزل كي لا يراكِ الرجال”، في سلسلة من الوصايا والبدع التي لم يأتِ بها كتاب ولا سُنة.

وإذا تكلمت من تتطوع بالوعظ ممن لا تملك مؤهلًا؛ شرَّقت وغرَّبت، واستطردت، وتشعبت في أحاديث النساء والجدال معهن حتى تضيع الفكرة الخاطئة وتتوالد إلى عدد من الأخطاء! حتى يتسع الخرق على الراقع!

وإذا حاولت إصلاح ما فسد؛ يطيل الجدال من لا يملك من العلم فينسب الجهالة لكتاب قرأ فيه دون شيخ أو معلم، دون سؤال أو مزيد بحث.

في الموت ترى الحياة تافهة، قصيرة تمر في لحظة وكأنها لم تكن، كل التفاصيل لا تعود مهمة، ويصبح كل شيء بلا معنى، إنها مرآة الحقيقة الصافية، فيها تعرف معنى الوحدة فبه أخيرًا وجدت إجابة على سؤال: الوحدة خيار أم قدر؟ حتى كان الموت مجيبًا عليه، فما دام القلب يخفق فكل وحدة هي قرار، فإن توقف عن الحياة تصبح قدرًا، إنها الخوف والألم والحزن وكأنه إذا جثم؛ ابتلع كل ما كان، كالأرض حين تبلع ماءها.

ويزيد من حجم الألم سوق البدع على هامش الفقد، فالمرأة إذا فقدت زوجها اعتدت أربعة أشهر وعشرًا، والحامل حتى تضع حملها، وتستحم، وتلبس ما شاءت من الألوان في غير زينة، وتكلم الناس والرجال منهم، وتخرج في شأنها أو عملها، وتبدأ عدتها من لحظة وفاته.

هل يعزي أهل المتوفى الدخول في متاهات الجهل؟ هل يعزيهم الاختلاف في الرأي؟ هل يعزيهم أن يُملى عليهم خرافات باسم الدين تشديدًا عليهم؟ ألم يسمعوا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت”؟

إن كان من واجب المتلقي البحث وسؤال أهل العلم، فهذا واجب أيضًا بحق من يريد لنفسه التصدر بين الناس، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أما نقل الخرافة والتشدد يتقنه كل جاهل.

 

17 ذو القعدة 1439هـ

30 تموز 2018مـ

 

مقالات ذات صلة