أسيرات داعش والقاعدة الفلسطينيات

عدد المشاهدات: 245

المجتمع الفلسطيني في قلب العالم وأحداثه، يتأثر بالأفكار والتيارات الأيديولوجية أو الاجتماعية، السياسية والاقتصادية كذلك، ولم يقف تأثير القـاعدة على حدود فلسطين وهي التي تقدم نفسها للعالم كحركة عالمية، وتجنِّد المال والجهد لتجنيد المزيد من الرجال والنساء على اختلاف هوياتهم وأماكن سكناهم.

شباب فلسطين لم يكونوا في معزل، ولم يقف تأثرهم بتيارات السلفيـة الجهـادية وأذرعها عند حد الحديث عنها أو الدفاع عنها أو التعاطف أحيانًا معها بل تجاوزوا ذلك إلى الانخراط في صفوفها أو الوقوف عند مرحلة التجنيد ومحاولة السفر للمشاركة بأعمالها سواء كانت داعش أو جبهـة نصـرة أو غيرهما.

الفتيات الفلسطينيات كُنَّ أيضًا هدفًا للتجنيد والاستقطاب، وخاصة الفلسطينيات من أراضينا المحتلة عام 1948، أتحدث هنا عن 7 أسيرات ينتمين إلى السلفيـة الجهـادية، بواقع 5 أسيرات من الداخل المحتل وأسيرتين من الضفة الغربية، جاء اعتقالهن موزعًا على 4 أعوام على النحو الآتي: أسيرة عام 2015 (إيمان كنجو-شفا عمرو)، أسيرة عام 2016(الجليل)، 3 أسيرات عام 2017 (1 بيت لحم، 2 بئر السبع)، وأسيرتين عام 2019 (عكا، قلقيلية)، وخلال اعتقالنا كنا كأسيرات حوالي 50 أسيرة منا 5 أسيرات من السلفية الجهـادية.

تنوعت نشاطات الأسيرات فمنهن مَن حاولت الدخول إلى سوريا وعرضت على داعش تقديم دروس في الشريعة، ومنهن مَن سافرت إلى الموصل، وأخرى سافرت إلى جبهـة النصـرة واعتقلت في سجونها 10 شهور بعد الشك بها أنها “جاسوسة” إذ هي قادمة من “إسرائيل” وبعد الشهور العشرة تمت تبرئتها، وأسيرتين كانتا تجهزان للسفر إلى سينـاء وقد اعتبرت وثائق السفر أحد أدلة الإدانة التي استخدمت ضدهما، بينما السادسة سافرت إلى الأردن، فيما السابعة لم تسافر واكتفت بنشاط وعظي في البلاد، تراوحت أحكامهن بين سنتين إلى 5 سنوات ونصف، باستثناء واحدة منهن حُولت إلى الاعتقال الإداري.

غالبًا تم تجنيد هذه الأسيرات عبر شبكة الإنترنت، واختلفت مستويات التجنيد بين العاطفة أو الاقتناع، فالتي سافرت إلى جبهـة النصـرة كانت تبحث عن العقيدة ونصرة الدين، وأخرى كانت مقتنعة تمامًا بولاية البغـدادي.

كنت أفكر أيهما أصعب تغييره: إنسان ينتمي إلى فكرة بدافع العاطفة أم الذي ينتمي إليها عن فكر ووعي؟ لم أجد إجابة حاسمة، ومع الزمن بدا لي أن صاحب العاطفة أصعب للتغيير ومحاولات الإقناع، ولعل الأمر يختلف بين سطحية الإنسان وعمقه، إلا أن صاحب الفكر يمكن الحوار معه إن كان صاحب سعة في الصدر والعقل، ولعل الإجابة تعتمد على طبيعة الإنسان السائل فإذا كنت عاطفيًا لعلك تستطيع الإمساك بعمق العاطفي والتأثير فيه، وإن كنت عقلانيًا صاحب فكر ستجد الثاني أيسر عليك وأقرب إليك، والأسيرات تنوع التعاطي معهن أمام هذا السؤال، والحقيقة أن نقاط الالتقاء والتقارب والتفاهم لا تنعدم عندما يكون ما نواجهه واحد، وعندما تلتقي غاياتنا التي خُلقنا لأجلها، والباحثون عن المشترك سيسعدون وينجحون مهما افترقت الوجهات والأفكار، وللحق كلما عمق فكر المنتسب لهذه التيارات زاد تأثيره على محيطه وخاصة إن لم يجد مَن يدافعه فكريًا وعمليًا.

أود الإشارة إلى أمرين إضافيين: الأول: أن 3 أسيرات ممن اتهمن بعلاقة مع داعش كنّ ينتمين إلى الحركة الإسلامية في الداخل المحتل، أما الثاني: تم الإيقاع بالأسيرات خلال التحقيق من خلال “العصافير”، ادعاء بطولة وجهاد في مشارق الأرض ومغاربها، ووعود زواج وهمية، وأسجل هنا أن أسيرات الداخل المحتل تحديدًا لم يجدن حرجًا في الحديث عن وقوعهن لدى العصافير بكل صراحة، فاعترفن بجهلهن، واعترفن بنقاط الضعف التي تسببت بوقوعهن كالعاطفة.

بعد عدة شهور من العيش مع الأسيرات، كان من الممكن رصد تغير لدى الأسيرات وخاصة المعتقلات على خلفية داعش، بعض التغيرات كانت جذرية إلى النقيض، وتغيرات أخرى كانت عودة إلى الاعتدال، وهناك مَن لم يتسنَ لنا الوقت لنرى مدى تغيرهن مع الزمن وخاصة أن التغيرات في السجن سريعة وأحيانًا غير مفهومة، وكتابتي عن الفترة التي عشتها في الأسر، ويبقى الباب مفتوحًا لتغيرات كثيرة نجهلها، فالأسْر ليس سكونًا ولا جمودًا في الحياة.

 

08 ربيع أول 1441هـ

05 تشرين ثاني 2019مـ

التعاليق: 0

لن يتم نشر بريدك الالكتروني, الحقول المشار اليها بـ * مطلوبة.