combivent respimat dosage combivent respimat dosing directions how to get combivent combivent respimat adverse reactions how to buy combivent online
عام

وفاء لا يُكافأ!

Views: 118

لا ينتهي الكلام في استقبال السجن واستدبار الحياة، آلاف اللحظات التي يتكثف فيها الشعور، وحديث النفس، وكأنك في ذات اللحظة يزدوج موقعك بين المُعاين والراوي، توثق كل ما يجول في نفسك من هموم أو فقد أو أمل أو رجاء أو خوف أو ثقة أو انكسار أو اعتزاز.

اليوم وكأنه أمس! لحظات اعتقالي الأولى والزنزانة الأولى، ابتسامي كلما بدأت أرسم تفاصيل اليوم الأول لغيابي بين أهلي وصديقاتي ومعارفي، رضاي عنهم، وثقتي بفيض مشاعرهم ودعائهم الذي لن ينقطع طوال الرحلة، ولطالما كانت معركة التماسك الاجتماعي حصننا المنيع.

منذ لحظات الأسْر الأولى حتى ذكرى حريتي اليوم فإن ما وقر في قلبي ورافق رحلتي وآنس عودتي حتى اليوم هو جمال الأخوّة في الله، جمال الوفاء، الوفاء الذي لا يُكافأ، في الحضور والغياب، في الوصل والانقطاع، في المحنة والمنحة، في كافة المشاهد.
عندما يفرض عليك الاعتقال أن تبحث عن قلوب أحبابك وأصفيائك في قلوب ووجوده جديدة، يبقى الحنين في حنايا النفس يُذكي الذكريات، تبكي وتدعو وتكتب وربما تشارك رفيقًا عزيزًا أشواقك.
تهرب من ألم السجن وتقلباتك بحوارات داخل نفسك تنسجها مع رفيق يستبد بك الشوق إليه فيزورك طيفه أو تكتب رسائل طويلة تبث فيها همومك لأهل أو أصدقاء، ثقة بعدم تغيرهم وهم يقرؤون صراحتك، وثقة بأنهم رغم البُعد والمسافات يملكون أن يزيلوا عنك بعض ما أصابك.
لم يمر يوم في اعتقالي لم أذكر فيه رفيقاتي ومعارفي في نفسي، أفكر في كل أحوالهم، كيف هم الآن، كيف عائلاتهم، واللاتي فقدن آباءهم كيف هم اليوم، ومن فقدت زوجها أو ابنها، ومن تعاني من أسر، ومن تحمل همّ دراسة أو تدريس، ومَن تشعر اليوم بالعجز الذي كنت سأشعر به أنا أيضًا لو تبدلت مواقعنا، كنت أدعو الله أن يُسرِّي عن قلوبهم ويرفع عنهم كما رفع عني ورافقتني معيته، كنت أتمنى أن يشاركنني شعور المعية واللطف الخفي الذي لا زلت أذكِّر نفسي به كي لا تغتر ولا تحيد.
في كل زيارة في السجن للأهل أو المحامية كنت أسأل عن التفاصيل وكأني أتابع حياتي هناك، وأشارك بالمواساة أو الفرح، يحدوني قول الشاعر:
أبلغ أخانا تولى الله صحبته … أني وإن كنت لا ألقاه؛ ألقاه
وأن طرفي موصول برؤيته … وإن تباعد عن مثواي مثواه
الله يعلم أني لست أذكره … وكيف أذكره إذ لست أنساه
الوفاء الذي لا يعجز أهله أن يحولوا معه السراب إلى حقيقة، والصحراء القاحلة إلى واحة غنّاء، واليأس إلى أمل، مع كل رسالة مكتوبة أو رسالة صوتية عبر أثير الإذاعات كان يتدفق الدم من جديد في شريان حياتنا، نصل اليوم باليوم الذي يليه والأسبوع بالأسبوع كي نصنع من لوحات رسائلهم بساط الريح الذي يسمو بنا عن هموم الأسر والفقد والحرمان، كم مرة قفزنا مع أول صوت، وكم مرة تأثرنا بالكلمات العميقة الجزلة، وكم مرة دمعت مآقينا وداريناها كي لا تفضحنا، حتى باتت تلك الرسائل رافعة لكل الأسيرات اللاتي كن يشعرن بهذا التفاعل، حتى لم تعد صديقاتنا ترسل لنا فقط بل واصلن التفاعل مع كل أسيرة كإسراء الجعابيص وإم أمجد وغيرهما، كانت حالة وصْل بهية يفخر المرء بها.
لم يقف بحر وفائهن هنا، فقد أكرمننا بتفقد الأهل، والسؤال الدائم، والدعاء الموصول، والحب في الله بلا شرط ولا قيد، تحملن العناء والعتاب، تحملن أصوات التثبيط بالصبر والإصرار، يصدق بهن قول الشاعر:
ما كان لله من ود ومن صلة … يظل في زحمة الأيام موصولًا
يظل ريان من صدق الوفاء به … يغني الحياة هدى قد كان مأمولًا
كأنّـه الزّهَـرُ الفـوَّاحُ روضتُـه … هذي الحَياةُ يَمُـدُّ العُمْـر تجميـلًا
ما أَجْملَ العُمـرَ في بِرّ الوفاءِ وما … أَحْلـى أَمانيـه تقديـرًا وتفعيـلًا
أذكر أول اتصال خاص لي عبر الإذاعة، حين حملني الصوت إلى دوار المنارة في الخليل، ثم توالت الاتصالات حتى في الشهر الأخير كنت أرى نفسي في شوارع البلاد، أشم رائحة العودة، حتى جاءت رسالة عزيزة قالت فيها “إنه احنا سمينا شهر 7 شهر الانتصارات، وانه بنحضر باص لصوريف نستقبلك”، ثم لم أعد أُبصر إلا الحرية، هذا الوفاء المتدفق في بضع حروف؛ رسم لي طريق الحرية من حيث لا تدري، هذا الوفاء الصادق الذي يقود الخطى ويجاوز بك المدى.
ثم حين حطت بي الرحلة في الرابع من تموز والتقيت الأهل والأحباب؛ أكبرت كثيرًا الانتظار الطويل في البيت، وتجمع كل الرفيقات، وزياراتهم المتكررة، وسؤالهم الدائم، ومتابعتهم لشؤوني حتى استعدت توازني.
في كل يوم وأنا أتذكر كل الوجوه والدموع، الأحضان، فرحة اللقيا، فإني أشعر بشيء فوق الوصف، وفوق كل اعتبار، فكيف يمكن أن أشكر كل ذلك الحب، كل ذلك الوفاء، كل ذلك الجمال؟ إنه وفاء لا يُكافأ، ووصْل لا ثمن له إلا الدعاء بلقاء تحت ظل العرش، يقول تعالى: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾
أهلي، أخواتي في الله، صديقات عمري، معارفي وأحبابي؛ ما أعظمكم! وما أكرمكم وما أجمل ما أنتم عليه.
[عَهْد مع الله شَدَّتهُ النّفـوسُ تُقىً … جيلاً يَمُدُّ على حَبْل الوفـا جيـلًا]
13 ذو القعدة 1441هـ
04 تموز 2020مـ
Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *