في حياتي إنسانة #1 | حروف من وفاء

في حياتي إنسانة #1

حروف من وفاء

تضيء شموع الحرف بالوفاء لمن كانوا لي سكنًا وأمانًا ولأيامي دفئًا وحنانًا، فإذا جُعل للأخوة حق في الوُد والدعاء والوصل والمال والسؤال، فإن لهم حق في الحرف، حق في الصنعة التي نتقن، وهذا أدعى للتجديد في شكل التعبير عن الحب في الله.

وأستهل حروفي بمحطة فارقة يوم استُشهد الشيخ أحمد ياسين، واجتمعنا في حفل ارتدينا فيه الأكفان، يومها سمعت باسمها ورأيتها لأول مرة، وكعادتي كنت سعيدة فلا أرى الشهادة موطنًا للحزن، فيما كانت هيبة الحدث تعلوها، وتحظى باهتمام خاص، أو هكذا خُيِّل إليّ.

مرت الأعوام مسرعة لألتقيها عن قُرب في زيارة اجتماعية بعد خمس سنوات، ولا أخفي حجم الهيبة التي سكنت فؤادي حين علمت أنها ستكون حاضرة، كنت أخجل منها بل أتقزم وهذا حالي مع كل أخواتي، ولا أجد إلا الصمت يوفر لي وقتًا كافيًا لأستمع إليها بهدوء، وأفهم منطقها، وأتحد معها فكرًا وشعورًا.

كنتُ أزداد لها احترامًا، ولا أعرف بمَ أناديها، بخالتي أم باسمها أم بكنيتها؟ لطالما شعرت أنها أكبر مني بكثير حتى رأيتها فانجلت الصورة ووجدت أن حيرتي في مكانها فهي صغيرة وقريبة ولكن لشيء لله يكتسب حضورهًا جلالًا ما، فسألتها فأراحتني.

لم أكن أعرف أن الطريق ستجمعنا كثيرًا، ولكني كنت موقنة أنها لم تكن علاقة عابرة، وربما لا تتيح السطور كثير قول، ولكن يكفي أنها كانت أقرب مما يُتصور، وأحيت فيّ الرغبة بكتابة الرسائل وإن كانت هذه المرة إلكترونية لا يدوية، وكان لها فضل عليّ في أكثر من باب خير، ويكفيني في هذه الأبواب أن أتذكر دائمًا أن أجر الخير الذي يجريه الله على يدايَ يُكتب لها كي لا أنسب لنفسي فضلًا؛ فأحمد الله كثيرًا على تقديره العظيم للأشخاص الذين يمرون بحياتي ويكون لهم عليّ فضل وسابقة خير.

لم تجمعنا فضاءات القضية ولا تلك القواسم الكثيرة فقط؛ بل حتى الهم الشخصي الذي شاطرتني فيه، وساندتني ورافقت آمالي وشغفي ورغباتي، ولما رزقها الله من فهم وحكمة كنت أستأنس بمشورتها، وما كنت أجد غضاضة من فتح أبواب قلبي لها، وما كانت تضن عليّ حتى في تلك اللحظات المرهِقة من العمل والعناء، أحبُ فيها إنصافها والتجرد، وعدم الحكم المطلق على الأشخاص، الفرصة التي تمنحها لهم دومًا تبقيها حاضرة دائمًا لتوازن مواقفها.

كنت استعرت منها كتابًا، فلفتت انتباهي مرة أخرى، ورسمت البسمة على شفاهي مرارًا وأنا أقرأ، ولشدة حبي لتأمل ذلك ما أحببت إتمام الكتاب، فهي لم تهمل الهمزات ولكن الناشر تغلب عليها؛ فاختارت أن تمضي مع النص، ذكرتني بنفسي فأمران كنت لا أمل منهما: كتابة الهمزات، وتظليل الحروف كـ: ف، ق، ط..إلخ، كانت تلفتني تلك الأفكار التي كانت تسطرها بالرصاص، أما الحفاظ على الأوراق غير مثنية فحكاية أخرى.

أن تقرأ لصديقك ليس كأن تقرأه، ليس كأن تنتبه لآثاره عليك، للدروس التي تتعلمها منه، وللانطباعات التي يتركها فيك، للبِشْر والأمان اللذان يمنحك إياهما، للأمل الذي يبثه فيك رغم كل الظروف، للثبات على الود وإن باعدت بينكما المسافات والأعباء.

إنسان يحيا مع الله، ويبدأ حياته مع تكبيرة الفجر الندية لخليق بأن يتقدم، وأن يُهاب، وأن يكون له شأن، وإني والله مذ عرفتها صار لها الدعاء واجبًا ككل إنسانةٍ يجمعني بها عهد الإخاء في الله.

لمى خاطر يا دفء أيامي، ومسكها الزاكي، وأفراحي المؤمَّلة الممهورة بحرفك، ولوحة الصمود، وعنوان كل البدايات.

أسأل الله الذي جمعنا في هذا الدنيا على طاعته وفيما يرضيه أن يجمعنا تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.

إسراء خضر لافي
03/جمادى أولى/1436هـ
21/شباط/2015م

مقالات ذات صلة