عام

قيس الشهيد

Views: 2344

نقف على أبواب الشهداء، بحثًا عن آثارهم في حياتنا، في غاياتنا، عن ثلة من الأخيار اصطفاهم الله على قدر، فكانوا يصنعون لنا الحياة، حين كنا نلهو، حين كنا نعيش همومنا المفرطة في المحلية وضيق الأفق، حين كانوا يجيبون الداعي كلما صدح، تارة لعلم وأخرى لجهاد، وبين المحرابين تبتل ودعاء، وبذل وثبات، لا حياد عن الدرب، لا تراجع، لا تبديل.

قيس عدوان؛ رجل من رواحل هذه الأمة، عاش لأجل دينه، بطلًا هُمامًا، طالبًا مجتهدًا، ونقابيًا فذًا، ومجاهدًا مستفرغًا كل طاقته ليصنع فارقًا، ليغير واقعًا، ليوازن معادلة، ليعلم جيله والأجيال من بعد كيف يكون المسلم إذا فقه دوره في الحياة على أرض الرباط، وليس ذاك من عجب فقد استلهم من اسمه معناه؛ في الشدة والصعوبة، وقد قيل:

لعمرُك ما الأسماء إلا علامة منار … ومن خير المنار ارتفاعها

تسامى قيس عن الحياة، في حرصه على عدم الاستسلام، في الخوف الذي قهره لأنه لا يليق بالمجاهد، في يقينه، في ثباته، في قلبه الذي منح الحب والدفء والعطاء لإخوانه، وزملائه، رفاق العلم والسلاح، فكيف يتم التجرد، وتمام الإقبال نحو منازل الآخرة في كل وجهة يوليها إن لم تكن جنته تقيم في ثنايا روحه في حله وترحاله، لا تبرحه، كيف كان سينجح لو لم يصم أذني فؤاده عن سماع اللوم والتثبيط وأصوات التقريع، الداعية لمنهج السلامة والركون إلى الدعة.

تسامى قيس عن حياتنا، عن لغونا، قال لنا سلامًا لا أبتغي القوم الجاهلين ومضى إلى معراجه مقبلًا غير مدبر، أراد أن يكون استشهاديًا ولكنه لم يكن لينتظر، ولم يكن ليبدل القدر حين جاءه فاستقبله فارسًا كما يجب أن يكون، لم يكن لديه الوقت ليندم، ليتردد، لبى نداء الواجب لأن هذا ما أراده جهاد وشهادة، فجنة.

الفارق الذي صنعه قيس شهد عليه في حياته، ثم شهد عليه أخرى بما تناثر منه في كل قلب عرفه، كان يمكنه أن يتوقف عن العمل الطلابي بعد كل الملاحقات والأحكام الجائرة في زمانه، وكان يمكنه أن يتوقف عن الجهاد ويستسلم لحياة المطاردة، لكن هذا لم يكن ليرضي نفسًا أبية نذرت حياتها لله، لو كان قيس حريصًا على الموت فحسب ما كان ليبدع في عمله الطلابي والنقابي، لكن هذه النفسية؛ نفسية إنسان يحب الحياة بما يرضي الله، ولا يخشى الموت لأنه حق، لقد كان سيدًا.

يمثل قيس نموذجًا متكاملًا في الدين والخُلق، في العلم والعمل، في الساحتين: النقابية والجهادية، ويؤثر عنه مواقف كثيرة في التعامل مع المواقف المختلفة خاصة داخل أسوار الجامعة، وعلى الطلبة اللاحقين بدرب العظماء أن يبحثوا كثيرًا في سيرة قيس، وأن يستنطقوا مَن عاصروه، وأن يستلهموا الدروس والعبر من رجل حقق في ذاته (وأعدوا) فهمًا وتطبيقًا.

عاش قيس في زمن كثر فيه العاملون وقل الثرثارون، وحري مرة أخرى بمن يريد أن يصنع من نفسه نموذجًا التحول من مربع الأقوال إلى الأفعال، مستثمرًا مواقع التواصل الاجتماعي للتعرف أكثر على واقع الحركة الطلابية وفرسانها الجدد، فهي نعمة لم تكن لمن سبقوا، فأفرطوا في الانغماس بهموم جامعتهم دون أن يرتفعوا في سقف العمل والتعلم، فانكفؤوا على ذاتهم مرة تلو الأخرى حتى أثقلتهم همومهم فثقلت مسيرتهم.

إن كانت شهادة الإنسان الأخيرة لتترك آثارًا لا تُحصى في النفس؛ فهي أيضًا تشير إلى أهمية البحث في حياته، فهي المنهج الذي حقق السيادة والشهادة.

مضى قيس شهيدًا بإذن الله، وقد صدق فيه قول المتنبي:

فماذا تركت لمن لم يسد … وماذا تركت لمن كان سادا؟

قيس عدوان 11/01/1977 – 05/04/2002

 08 رجب 1438هـ

05 نيسان 2017مـ

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *