المدرسة دور تربوي منشود وأمل مفقود

عدد المشاهدات: 215

قبل عام ذكرتُ أمام جدتي أنني سأشارك في دورة لغة إنجليزية، فقالت: دورة؟ ليش؟ مش درستوا إنجليزي في المدارس؟ استوقفني هذا التعليق فترة وكلما تذكرته تأملته جيدًا، فهي بفطرتها أرادت أن توصل معنى آخر، وببساطة هي ترى أن اثني عشر عامًا كفيلة بأن يتقن فيها الشخص اللغة أو أيًا ما كان اسم المادة التي يدرسها على طول المرحلة.

لمن يريد الإتقان فعلًا فهذا كلام صحيح تمامًا، ولكن في ظل منظومة تعليمية قاصرة فإن النتيجة لن تكون كما يُتصور، وفي ظل التعامل مع كل عام دراسي كوحدة منفصلة عن العام الآخر أيضًا هذا المُخرج لن يتحقق.

كنتُ في حاجة لأن أسأل نفسي عما نحتته فيّ المدرسة، وعن دورها الحقيقي، وإن كان هناك ما يخفى على الساخط والراضي عن طرائق التعليم؛ مدخلاته ومخرجاته.

ولعل أكثر ما يستوقفني تأملاتي في قدرة طفلة داون سندروم على التعلم واكتساب المهارات وهي المحرومة من كل التفاصيل التي حصل عليها أي منا طوال 12 عامًا، حتى ترسخت لدي قناعة أن المدرسة هي بيئة لما هو أكثر من استظهار المتون وحل المعادلات، وأن الأساليب المتبعة في مدارس التعليم الخاصة بالأطفال المعوقين العالية المستوى قد تؤتي ثمارها في مدارسنا في هذا العصر؛ إذ تجمع بين الوسيلة التفاعلية والأمثلة العملية والمهارات التطبيقية، وتحرص على اكتساب الطفل المعوق مهارات تمكنه من التعايش والتعامل مع مجتمع قد يقبله وقد يرفضه، ولكن بناء الثقة لديه وإكسابه مهارة لِيَدِه أهم ما يمكن أن يتولد عن عملية التعليم.

أمام هذا الوجه أعود لأسأل نفسي مرة أخرى عما أخرجته المدرسة فيّ، لأجد أنها عززت عددًا من الصفات منها: المثابرة، والمحاولة دون يأس، وأذكت روح التنافس، ومن خلال النشاطات المختلفة يمكن أن يكتشف الطالب المجال الذي يصلح له لو أنه رُزق الانتباه لملكاته ولم يهملها في لحظات القرار المصيري المتعلق بالدراسة الجامعية، كما تعزز روح المشاركة، وتبني صداقات تدوم عمرًا لمن يحسن الاحتفاظ بها، وتستثمر في القيم إن كان المعلم ذكيًا ويملك من المهارة ما يعين على تعزيز قيم الخير والصدق والجمال.

في كل ما ذكرت لم أجد مكانًا للمواد التي ندرسها، فالمدرسة ليست مكانًا للحفظ والتخلص من المادة بامتحان وعلامة، هي المكان الذي يجب أن يكون كما فهمته جدتي، وكما يُسعى تقديمه للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، مكان لاكتساب المهارات بأنواعها: لغة تواصل محكية، ولغة جسد، وروح تنافس، وروح تشاركية، إلى جانب مهارات ومنهجية في التفكير، ومهارات في حل المشكلات، من خلال بيئة تعزز الحوار، وتدير الاختلاف، وتشجع احترامه، ومن خلال أمثلة عملية تزرع الأفكار العلمية وأُسسها حتى تنمو نموًا صحيحًا مؤداه الإزهار والإثمار بالإبداع والإنتاج حين يجد المكان الأنسب له لاحقًا.

ويضاف إلى ذلك أن تكون المكان الذي يعزز القيم السليمة لإصلاح المجتمع الذي يعيشون فيه، بتخليصهم من مشكلات بيئاتهم وتجاربهم التي يخوضونها بدافع الاستكشاف أو الفضول، وإرشادهم للطريق الصحيح وخاصة في قضاياهم وهمومهم المعاصرة، حتى ينشأ الطالب على رسالة تهدف إلى جعل العالم أفضل.

فطفل اليوم يهتم بعدد المتابعين له على حساب التواصل، ويهتم باستخدام أجهزة اللمس الذكية، وفي بيئة تفتقر إلى ذلك سيبقى يشعر بحاجة ملحة لانتهاء الدوام ليمتلك زمام أمره في عالمه الذي ولد فيه، وربما أيضًا بقيت تراوده الرغبة في الدخول إلى هذا العالم أثناء دوام المدرسة “الممل” أو “المتخلف” عن اللحاق بلغة عصره.

لست أتحدث عن تطوير الوسائل فحسب، بل عن الآليات بشكل عام، عن غياب التكاملية في المنهج التعليمي، وعن غياب ما يعزز الأفكار الجميلة التي نحلم أن يخرج بها أبناؤنا من المدرسة.

وليس المطلوب استيراد نظام جديد، والتجربة في الجيل، بل المطلوب ولادة منظومة مختلفة تخلق بيئة تعليم مفتوحة، وتجعل من إتقان المهارات المنشودة واقعًا أكيدًا لا مجرد رغبات وأُمنيات.

وكثير من تلك العلوم التي أسلمتنا وأسلمت إلينا نتيجة الثانوية العامة لم نحتج إليها في المرحلة الجامعية، فهونوا عليكم عناء المواد 🙂

27 جمادى الآخرة 1439هـ

15 آذار 2018مـ

نشر أول على موقع إشراقات

التعاليق: 0

لن يتم نشر بريدك الالكتروني, الحقول المشار اليها بـ * مطلوبة.