غربال رمضان

إن لرمضان في قلوبنا نفحات تصافحنا باكرًا، قبل شهور وأيام، في لحظات من الارتقاء، من السمو، من الطموح إلى ما هو خير، بحثًا عن شاطيء نستريح فيه، نركن إليه، ونتزود فيه بما يعيننا على الرحلة الطويلة، وما يقوينا للقيام بكل ما نحمل من واجبات وهموم وأمانات؛ في النفس، والأهل، للأمة والدين.

وما إن يحن الفؤاد ويرجو بلوغ رمضان حتى يبدأ الإنسان برصد ما يريد فعله، فيُعد فسيفساء الشهر، سأفعل، سأقرأ، سأقلع عن، سأساعد في، سآكل هذا، وأمتنع عن ذاك، أهم قرار هو، وهكذا سلسلة من الرغبات التي إن لم تُدون، وإن لم يُعقد العزم على تحقيقها بإرادة قوية ونية صادقة، فسينتكس صاحبها مبكرًا وينسحب من جولة السباق، جولة الارتقاء.

هكذا تأتي محطة رمضان وندخل الغربال ليتحقق لأولي العزائم التنقية والتخليص، وإذا كانت محطات التربية ثلاثة: تخلية، وتطهير، وتحلية؛ فإن رمضان حادي الروح لذلك وأكثر، يوفر الظروف ليخلي الإنسان قلبه عما سوى الله، عن كل شواغله، أليس الصوم لله وهو يجزي به؟ وألا ينقطع المرء في الصيام عن الشوائب؟ ألا يعترف بتقصيره وخطئه وحاجته لأن يصبح أفضل؟ ألا يُفصح عن رغبته في التغيُّر؟ فربما يقل تدخينه أو يقطع، وربما ينقطع عن الأغاني، والمقاهي، ورفاق السوء، هي الفرصة للإقبال على العبادة دون أن يشغل القلب شاغل.

ثم يطهرنا رمضان، ونحن نبدأ فصلًا جديدًا في الحياة، نتحول من حالة إلى أخرى، من كسل إلى نشاط، من إدبار إلى إقبال، من تفريط إلى التزام، يطهرنا ونحن نجاهد أنفسنا للتغلب على شهواتنا، وأهوائنا، ونحن نجاهد لنثبت، ونجاهد كي لا نقنط من رحمة الله، ونحن نوقن أن التغيير للأفضل ممكن لا يعيقه فوات عمر، ولا كبر سن، فالوقت لا يتأخر أبدًا للمقبلين على الله وإليه.

ثم تأتي التحلية؛ فيملؤنا رمضان بالخير، فمن شراهة على الطعام إلى اعتدال، ومن كذب إلى صدق، ومن تأخر في المواعيد إلى دقة، ومن فوضى إلى نظام، ومن حياة فردية إلى جماعية في الطاعة والعمل الصالح والشعور، ومن هجر للقرآن إلى حياة فيه ومعه وبه، ومن قسوة قلب إلى رقة، وهكذا حتى يمتليء المؤمن المتزود المقبل حقًا، الصادق فعلًا؛ بكل ما يريد وأكثر.

فيخرج من رمضان وقد أحسن الاستعداد لأحد عشر شهرًا مليئة بالطاعة والعمل، بالهمة العالية، والنفس السامية، يخرج من ضيق دنيا إلى سعة، لا يبغي إلا وجه الله، ولا يرجو سواه، ولا يتذلل لغيره، ثابتًا على المبادئ التي ألزم نفسه بها، مستلهمًا قوته مما أمده الله به من أنوار وبركة.

فمن منا لرمضان لا يشتاق؟ ومَن منا لم يأكل السعي في دروب الحياة منه ما أوهن قواه؟ ومَن منا لم يجهز ما يريد وضعه في غربال رمضان؟

اللهم بلغنا رمضان، وتقبل منا، وأخلصنا إليك، وأخلص لنا نوايانا، وسدد خطانا، واجعل كل حياتنا لك وبك ومعك وبحسن التوكل عليك.

نُشر على أيام معدودات

 28 شعبان 1439هـ

15 أيار 2018مـ

مقالات ذات صلة